الجاحظ

32

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

والفيء « 1 » لا تحمل إلا عن فضل منهم . وأوصيك بأهل البادية خيرا ، فإنهم أصل العرب ، ومادة الاسلام : أن تأخذ من حواشي « 2 » أموال أغنيائهم ، فترد على فقرائهم . وأوصيك بأهل الذمة خيرا : أن تقاتل من ورائهم ولا تكلفهم فوق طاقتهم ، إذا أدوا ما عليهم للمؤمنين طوعا أو عن يد « 3 » وهم صاغرون . وأوصيك بتقوى اللّه وشده الحذر منه ، ومخافة مقته ، أن يطلع منك على ريبة . وأوصيك أن تخشى اللّه في الناس ولا تخشى الناس في اللّه . وأوصيك بالعدل في الرعية والتفرغ لحوائجهم وثغورهم . ولا تؤثر غنيهم على فقيرهم ، فإن ذلك - بإذن اللّه - سلامة لقلبك ، وحط لوزرك ، وخير في عاقبة أمرك ، حتى تفضي من ذلك إلى من يعرف سريرتك ، ويحول بينك وبين قلبك . وآمرك أن تشتد في أمر اللّه ، وفي حدوده ومعاصيه ، على قريب الناس وبعيدهم ، ثم لا تأخذك في أحد الرأفة حتى تنتهك منه مثل ما انتهك من حرمه . واجعل الناس سواء عندك ، لا تبال على من وجب الحق ، ولا تأخذك في اللّه لومة لائم . وإياك والأثرة والمحاباة ، فيما ولاك اللّه مما أفاء اللّه على المؤمنين ، فتجور وتظلم ، وتحرم نفسك من ذلك ما قد وسعه اللّه عليك . وقد أصبحت بمنزلة من منازل الدنيا والآخرة ، فإن اقترفت « 4 » لدنياك عدلا وعفة مما بسط اللّه لك ، اقترفت به إيمانا ورضوانا ، وإن غلبك الهوى ومالت بك شهوة ، اقترفت به سخط اللّه ومعاصيه . وأوصيك ألا ترخص لنفسك ولا لغيرك في ظلم أهل الذمة . وقد أوصيتك وحضضتك ، ونصحت لك ، أبتغي بذلك وجه اللّه والدار الآخرة . واخترت من دلالتك ما كنت دالا عليه نفسي وولدي ، فإن عملت بالذي وعظتك ، وانتهيت إلى الذي أمرتك ، أخذت به نصيبا وافيا ، وحظا وافرا . وإن لم تقبل ذلك ولا يهمك ، تنزل معاظم الأمور عند الذي يرضى اللّه به عنك ، يكن ذلك بك انتقاصا ، ورأيك فيه مدخولا ،

--> ( 1 ) الفيء : الغنيمة والخراج . ( 2 ) الحواشي : صغار الإبل . ( 3 ) عن يد : عن ذل . ( 4 ) اقترفت : اكتسبت ، اقتنيت .